من عرف نفسه فقد عرف ربه *** أفضل العبادة إنتظار الفرج

(…قال إن له غيبة تكثر أيامها ويطول أمدها فينتظر خروجه المخلصون وينكره المرتابون ويستهزئ به الجاحدون ويكذب فيها الوقاتون ويهلك فيها المستعجلون وينجو فيها المسلمون).

Monthly Archives: سبتمبر 2014

أسرار دعاء يوم عرفة لمولانا الحسين عليه السلام


بسم  الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وعجل فرجهم وألعن أعداءهم من الأولين والآخرين

السلام عليكم ورحمته وبركاته

أسرار دعاء يوم عرفة لمولانا الحسين عليه السلام

السيد : يوسف العاملي

**********************************************************

دعاء عرفة لمولانا الحسين عليه السلام كله أسرار إلهية .

* يبتدئ هذا الدعاء الجليل بالحمد الإلهي وهذا أول سر في هذا الدعاء لان حمد الحسين عليه السلام لله هو الحمد الحقيقي وجميع الناس تدخل بشفاعة الحسين عليه السلام في الحمد الإلهي.

فعندما يحمد الإنسان الإلهي الكامل الأزلي الحسين عليه السلام الله فهذا هو تمام الحمد .

* يفتح مولانا الإمام  الحسين عليه السلام بهذا الدعاء لشيعته أفاق رحبة في  العبودية  الإلهية وفي معرفة الإله المبدع الأول  بقوله كلمة إلهي فكلمة إلهي من الحسين عليه السلام ليست وهي على لسان الإنسان العادي.

* جاء دعاء يوم عرفة في يوم الحج الأكبر بلسان الإنسان الكامل الإلهي الأزلي الحسين عليه السلام وبهذا ربط الحاج لبيت الله الحرام بالميثاق الإلهي الأول.

* بدعاء عرفة عرَّفَ الإنسان الأزلي الحسين عليه السلام الله لخاصة عباده وهم جماعة العرفاء.

* الوقوف في جبل عرفة والدعاء بدعاء عرفة للحسين عليه السلام هو تمام وكمال مناسك الحج كلها.

* كيف يمكن أن نعرف الله حق المعرفة ونحن لا نعرف دعاء يوم عرفة للحسين عليه السلام فدعاء عرفة هو المعرف لله بلسان العارف الحقيقي بالله .

* كيف نوحد الذي ليس كمثله شيء والدال على ذاته بذاته والمنزه عن مجانسة مخلوقاته ؟ إذا لم ندعو بدعاء يوم عرفة للحسين عليه السلام ؟؟؟؟

* يستحيل مطلقا توحيد الله ومعرفته تمام المعرفة إلا بدعاء عرفة لمولانا الحسين عليه السلام حيث التوحيد والعبودية والمعرفة قائمة ومتحدة ومنسجمة بلسان الإنسان العارف الكامل الإلهي.

* لم يترك دعاء يوم عرفة شيئا يتقرب به إلى الله إلا ذكره مولانا الإمام الحسين عليه السلام.

* دعاء يوم عرفة يقطع على الحاج الواقف الباكي كل علاقته بالدنيا ويدخله في عالم الربوبية بمعية مولاه الحسين عليه فيصير حاجا بكل كليته وجواره.

* يقول مولانا الإمام الحسين عليه السلام في دعاء عرفة : (( اِلهى تَرَدُّدى فِى الاْ ثارِ يُوجِبُ بُعْدَ الْمَزارِ فَاجْمَعْنى عَلَيْكَ بِخِدْمَةٍ تُوصِلُنى اِلَيْكَ كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِما هُوَ فى وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ اِلَيْكَ اَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ ما لَيْسَ لَكَ حَتّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ مَتى غِبْتَ حَتّى تَحْتاجَ اِلى دَليلٍ يَدُلُّ عَليْكَ وَمَتى بَعُدْتَ حَتّى تَكُونَ الاْ ثارُ هِىَ الَّتى تُوصِلُ اِلَيْكَ عَمِيَتْ عَيْنٌ لا تَراكَ عَلَيْه رَقيباً وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْدٍ لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّكَ نَصيباً)) . بهذه العبارة أخرج مولانا الإمام الحسين عليه السلام عباد الله من عبادة الفاني إلى عبادة الله الباقي  وبها صار الحب والقرب والوصال  والخدمة والفناء والبقاء.

وحدة المعرفة الذوقية


بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وألعن أعداءهم من الأولين والآخرين

السلام عليكم ورحمته وبركاته

وحدة المعرفة الذوقية

السيد : يوسف العاملي

.

المقصود من المعرفة عند العرفاء هو الله.

من ذاق عرف .

الله واحد وبالتالي فالمعرفة المترتبة على الله هي موحدة عند من عرف ربه.

البحر في كليته الدالة عليه هو المكان الذي يملؤه الماء من جميع الجهات ، غير أن المبحر والغائص في البحر المتوسط لا يجد ما يجده المبحر والغائص في المحيط الهادي مثلا.

التجليات الإلهية عند العرفاء مختلفة إلا أنها صادرة من مصدر واحد.

الماء في البحر هو الماء غير أن ما يوجد في كل بحر يختلف تماما عن جميع البحار.

أبحر الله لا حدود لحدودها ولا نهاية لنهايتها لهذا تقع الحيرة في معرفة الله.

العارف المتحقق بالبحار كلها هو العارف الحقيقي الذي وقع في بحر الحيرة والجمال اللامتناهي لرب الأرباب صاحب المبدأ الأول والأخير في الإيجاد، فأمر الوجود أمر محير في ذاته.

الحيرة في الله توحد معرفة العرفاء وتجعلها وحدة منسجمة مع الذوق العرفاني السليم.

ففي كل تجل إلهي تكون معرفة وفي كل معرفة يكون ذوق.

المبحر في أعماق البحار لا يرى ما فيه إلا بتوسط الماء وملامسته ، فالماء هو الماء في كل البحاررغم اختلاف المشاهدات والكائنات.

سر رسول الله الأكبر


علاقة ثورة الخميني الخالدة بدولة المهدي الموعودة


بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وألعن أعداءهم من الأولين والآخرين

السلام عليكم ورحمته وبركاته

علاقة ثورة الخميني الخالدة بدولة المهدي الموعودة

السيد : يوسف العاملي

نجعل بيرق الاسلام يرفرف في جميع اقطاب العالم اننا في منتصف الطريق؛ ولابد لنا من مواصلة هذا الطريق الطويل حتى النهاية. وان هذا الطريق الطويل يتمثل بجعل بيرق الاسلام يرفرف في جميع اقطاب العالم.
كلنا أمل في ان نوفق إلى ذلك، ونتمكن ـ بعد التوكل على الله تبارك وتعالى، وبالعزم الراسخ ـ من طي هذا الطريق الطويل بدون صعاب. هكذا صرح الثائر الخميني رضوان اله عليه أيام الثورة الإسلامية الأولى .

ربط الإمام الخميني رضي الله عنه نهضته بالشجرة المباركة وربطها كذلك بثورة الحسين عليه السلام فقال كل ما لدينا من كربلاء، الشيء الذي سوف يجعل دولته، دولة الإنسان الشاهد والسالك والفقيه والولي العارف، فهذه الأبعاد ستجعل ظهور صاحب الأمر والزمان عليه السلام ممكنا وفاعلا في تغيير المنظومة الوجودية وجعلها منظومة إلهية رحمانية يسود فيها الدين الخالص على الدين كله.

فمجيء هذا الرجل الإلهي ونجاح ثورته لم يكن أمرا اعتباطيا، وذلك لما مثله هذا الفكر التحرري في توجيه الإنسان إلى أخلاق سامية ذات أبعاد كونية وإلهية، الشيء الذي يجعل انتظار صاحب الأمر الموعود أمرا تدور حوله كل فعاليات وحركات الدولة وقواعدها في الجمهورية الإسلامية في إيران، فيكون الإمام الخميني ودولته الحديثة في خدمة الانتظار الحقيقي والفعال الجامع للخلافة والولاية في نفس الإنسان الكامل المنتظر.

فثورة الخميني هي مقدمة لظهور ولي أمر المسلمين جميعا وقطب الأقطاب، وخاتم الولاية التكوينية والإمام الموعود في آخر الزمان، الإمام المهدي عليه السلام، ذلك أنها كانت ثورة ناجحة جعلت للمستضعفين أملا في تحقيق العدالة والإنسانية في زمن تغطت فيه كل القيم الوجودية بالنزعة المادية الاستعلائية.

الإمام الخميني ذلك الرجل الإلهي السالك بنورانية الأنوار العلوية واللطائف المحمدية مسالك العارفين الكبار نجده قد قطع الأسفار العرفانية الأربعة بكل صدق ونجاح وهي السفر من الخلق إلى الحق بالحق ،والسفر من الحق المقيد إلى الحق المطلق، بالحق والسفر من الحق إلى الخلق بالحق ، والسفر في الخلق بالحق .

ففي سفره الثاني من الحق المقيد إلى الحق المطلق قال الخميني مغلوبا على أمره في تجلي الرب عليه : عاشق أنا لا يشعر بوجع العاشق إلا العاشق
غارق أنا في بحر العشق
آه ٍ ربان ٍ كنوح لم يكن..
مفتضح في المدينة
واقع في فخ جدائلك
مفتضح في المدينة
في أزقتها وسوقها
إن أخرجتني من الباب لأدخلن من باب آخر
إن طردتني من الباب
لأدخلن من الحائط
جنون العلم والعمل غادر رأسي
حين أيقضني قدحك الملآن..

أما في سفره الثالث من الحق إلى الخلق قال عندما جاء أحد العابثين من حكومته الأولى بضرب الشريعة الإسلامية ووصفها بالتخلف ، خطب الإمام الخميني قائلا الشريعة هي شريعة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وخطب في المحبين خطبة أبكتهم كثيرا ،جعلتهم يدركون أبعاد الثورة الإسلامية فيهم وفي دولتهم.

فسلام الله عليك يا روح الله يا خميني يا من أنقذنا من وهم الدنيا واستعلاء الشيطان .

لماذا يقع التطرف ؟


بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وألعن أعداءهم من الأولين والأخرين

السلام عليكم ورحمته وبركاته

لماذا يقع التطرف ؟

السيد: يوسف العاملي

           

          الأول يضع غطاء اليهود علي رأسه   والثاني يضع العمامة التي هي تاج العرب ويخاطب العالم 

يقع التطرف في سلوك الإنسان بسبب الجهل .

الإنسان مخلوق إلهي مجبول على المعرفة والعبادة وحيث ما وجد إنسان بعيد عن المعرفة والعبادة نجده في سلوكه متطرفا.

لا يكون الإنسان إنسانا إلا بالمعرفة بدون المعرفة هو يحمل الصفة ولا يحمل الفعل أي يحمل صفة الإنسان ولا يحمل فعل الإنسان.

صفة الإنسان وفعله الذي هو العبادة والمعرفة هما أساس الوجود الإنساني.

جاء في الأثر (( من مات ولم يعرف إمام زمانه مات موتة جاهلية )).

معرفة الإمام هي على درجات متفاوتة .

خرج مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ليلا إلى الصحراء وفي صحبته سلمان المحمدي وابو ذر الغفاري رضوان الله عليهما، وعندما جاء ضوء النهار أمر أمير المؤمنين عليه السلام أبا ذر الغفاري رضي الله عنه أن ينظر إلى أثر الأقدام فلما نظر أبا ذر إلى الأرض لم يجد سوى أثر قدمين فقط ولم يجد أثر القدم الثالثة فسال أمير المؤننين عليه السلام عن سبب ذلك فرد عليه أمير المؤننين عليه السلام بقوله كان سلمان يضع قدمه في أثر قدمي وكنت أنت الثالث تمشي في أثر شخص واحد.

من خلال هذه الرواية التي لربما لم تحكى كما حكيتها بهذه العبارات يتضح أن معرفة أبا ذر ليست هي معرفة سلمان بالإمام فسلمان عليه السلام كان مندكا في ذات الإمام عليه السلام بينما كان ابا ذر تابعا للإمام.

فمع عظم إيمان أبا ذر الغفاري رضوان الله عليه نجد قدمه تطرفت أي بعدت شيئا ما عن قدم الإمام .

بقدر ما يكون الإنسان مجتهدا في معرفة نفسه بقدر ما يكون قريبا إلى حد كبير بالإمام .

التطرف يأتي من الجهل بالإمام فمن عرف إمام زمانه خرج من الجهل ومن خرج من الجهل خرج من العار.

بقدر البعد عن الإمام يكون التطرف ؟

الجماعات المتطرفة التكفيرية اليوم ذهبت إلى حيث لا عودة في انتهاك حرمة الإنسان وذلك لبعدها عن الإمام،

أنصار الله في اليمن سيطروا على دوليب الدولة لكنهم لم يقطعوا الرؤوس ولم يهتكوا الحرمات لقربهم من الإمام.

والسؤال المطروح الآن كيف نعرف إمام زماننا وكيف يكون القرب منه ؟

 الشيعة عموما تجتهد في معرفة إمام زمانها لكن هل كل الشيعة تعرف حقيقة الإمامة ؟

لمعرفة حقيقة الإمامة عليك الإيمان بدعاء المعصوم بقلب متوجه وخاشع فعندما يأتي الخبر بأن هذا هو أثر المعصوم يكون الأثر دالا على صاحبه في نفس الداعي.

لا يعرف قيمة الأدعية الواردة عن مدرسة العصمة والطهارة إلا المستبصرين من الشيعة لماذا ؟

المستبصرين عرفوا الفرق بين الماء العادي والماء العذب الزلال الطاهر النقي.

فالذي يشرب متعودا على ماء واحد لا يعرف قيمته المعنوية حتى وإن كان أطهر المياه على الإطلاق لأن قيمته الحقيقية مجهولة عنده بسبب التعود والتقليد.

الشيعي المستبصر يجد في دعاء المعصوم الدواء الحقيقي الذي أخرجه من سلطان الطبع إلى أتباع سلطان الفطرة الذي هو المعصوم.

فالذي بلغ الاربعين ولم يهزم سلطان الطبع في باطنه يكون سلوكه الانساني مائلا إلى التطرف والذي بلغ الأربعين واأنتصر سلطان الفطرة على سلطان الطبع في باطنه يكون سلوكه الإنساني تابعا لسلطان الفطرة الذي هو الإمام.

حسب تجربة كبار العرفاء الوجودية والتي هي معرفة نفس الإمام في وجوده يكون دعاء إمام الزمان هو المظهر لحقيقة الإمام في نفسه .

فعندما يكون الإمام غائبا بجسده ،فهذا لا يعني البتة غيابه الكلي عنا، لماذا ؟ لأن نفس الإمام وهو في غيبته أكبر من وجوده بنفسه وجسده مع شيعته ، لهذا كانت العبادة في زمن الغيبة أفضل من العبادة في زمن الظهور.

كانت غيبة صاحب الزمان عليه السلام عن شيعته بسبب الأمر الإلهي والعبادة في زمن الغيبة هي مرتبطة بعالم الأمر كذلك هذا إذا ما تعلقت قلوبنا بأدعية مولانا الإمام المهدي عليه السلام في زمن غيبته وهنا نجد نوعين من الأدعية أدعية مرتبطة بنفس الإمام وهي الأدعية التي صدرت من الناحية المقدسة كدعاء العبرات ودعاء سهم الليل مثلا وأدعية مرتبطة بغيبته وهي دعاء الندبة ودعاء زمن الغيبة وكل الأدعية المرتبطة بتعجيل الفرج عموما.

الشيعي المنتظر لمولاه المهدي عليه السلام يكون سلوكه قريبا من الإمام إذا ما حافظ في توجهه العبادي على الدعاء الموجب للظهور والدعاء الموجب للارتباط بالحضرة المهدوية والذي هو الدعاء الصادر عن الإمام نفسه .

السلوك الإنساني البعيد عن التطرف هو الشوق المفرط لصاحب الزمان عليه السلام ولا يكون هذا الشوق إلا عن معرفة خاصة بذات الإمام ولا تكون هذه المعرفة الخاصة إلا بوعي وجودي بدور الإمامة في الوجود.

الوعي الوجودي هو الإرتباط بمصدر الوعي والانتظار للأمر الإلهي.

الارتباط يكون بأدعية الإمام نفسه كدعاء العبرات .

والانتظار يكون بأدعية الإنتظار كدعاء زمن الغيبة والندبة.

اللهم عجل فرج مولانا الإمام المهدي عليه السلام وأجعلنا في انتظارنا مرتبطين بأنفاسه الزكية حتى نخرج من الجهل لكي نخرج من التطرف الموجب للعار.

 

 

 

 

 

معرفة الله بالله


شخصية تسير مع الزمن


المهدويون أهل عزة العفاف


* المهدويون أهل عزة العفاف
* صمية العلامات المحتومة
* سجدت شكراً لله

بسم الله الرحمن الرحيم

أمل أنت ان تفاقم خطب
وهدىً للصراط ان ضل ركب
وسناً تنمحي به ظلمة الكفر
اذا أطبقت ليعبد رب
وحياً سيحيى به جادب العدل
ويغشى ثرى المظالم جدب
يا ندى العدل، يا ربيع الهدى
والخير، يا نبع عزة فيه أصبو
وكمالاً به السفالات تنهى
ومغيث الأنسان في حين يكبو
ومعز الابرار في كل فج
ومذل الاشرار والعزم صلب

بسم الله والحمدلله الذي هدانا للتوسل اليه بموالاة صفوته المنتجبين حبيبنا سيد النبيين وآله الطيبين الطاهرين- صلوات الله وبركاته وتحياته عليهم أجمعين-.
السلام عليكم اعزاءنا المستمعين وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج ايها الاحبة الابيات التي استمعتم لها آنفاً هي من قصيدة مهدوية للخطيب الحسيني الشيخ محمد حسين الفقيه –رضوان الله عليه-.
وفيما يأتي تستمعون أحباءنا الى الفقرات التالية:
في الفقرة التربوية نواصل استلهام وصايا مولانا بقية الله المهدي –عليه السلام- للمؤمنين وتحت عنوان: المهدويون أهل عزة العفاف
تليها خلاصة أجوبة العلماء والنصوص الشريفة على سؤال الأخ خليل العامري عن: صمية العلامات المحتومة
ثم حكاية تربوية في تقوية الارتباط بامام العصر –عليه السلام- تحت عنوان: سجدت شكراً لله
تابعونا مع الفقرة التالية من فقرات برنامجكم (شمس خلف السحاب) وعنوانها هو:
المهدويون اهل عزة العفاف

قال امام زماننا الحجة المهدي الموعود –عجل الله فرجه- في دعائه الجامع المعروف بدعاء (توفيق الطاعة):
“اللهم وتفضل على مشايخنا بالوقار والسكينة وعلى الشباب بالانابة والتوبة وعلى النساء بالحياء والعفة وعلى الأغنياء بالتواضع والسعة وعلى الفقراء بالصبر والقناعة”.
أيها الاخوات والأخوة، انتهى بنا الحديث في استلهام الوصايا المهدوية التي تستنبطها فقرات هذا الدعاء المبارك الى وصية امام العصر –ارواحنا فداه- بالتخلق بخلق (العفة) وقد عرفنا في الحلقات السابقة أن هذه الوصية عامة تشمل الرجال ولا تنحصر بالعفة في المعاشرة وان تاكدت الحاجة اليها بالنسبة للنساء بسبب خصوصياتهن وخطورة الآثار الاجتماعية لغياب العفة بينهن.
من هنا ينبغي لنا جميعاً مؤمنين ومؤمنات السعي للعمل بهذه الوصية المهدوية، ومن أجل ذلك ينبغي ان نعرف أولاً معناها:
مستمعينا الاكارم عندما نرجع الى كتب الاخلاق نجد أن العلماء قد عدوا (العفة) أول الاخلاق الثلاثة الرئيسة التي تتفرع منها جميع الاخلاق الفاضلة المنجية للإنسان من مهلكات الهوى كما ورد في كتاب جامع السعادات للمولى النراقي وشرح الأسماء الحسنى للمولى هادي السبزواري وغيرهما، فقال الاخير مثلاً:
“ومهلكات الهوى كثيرة مشروحة في علم تهذيب الأخلاق وأمهاتها الأطراف الستة للرؤوساء الثلاثة –للأخلاق- التي هي العفة والشجاعة والحكمة ومجموعها العدالة”.
ومعرفة هذه المنزلة المحورية المهمة للعفة في حياة الانسان تزيدنا ولاشك رغبة في التعرف الى معناها ومصاديقها وهذا ما نتابعه بعد قليل فأبقوا معنا مشكورين:
قال العلامة الخليل بن أحمد الفراهيدي –رضوان الله عليه- في كتاب (العين) وهو من أقدم كتب فقه اللغة العربية (العفة الكف عما لا يحل)
وقال العلامة الشيخ فخر الدين الطريحي في كتاب (مجمع البحرين): (في الحديث الشريف: أفضل العبادة العفاف، والعفاف بفتح العين والتعفف: كف النفس عن المحرمات وعن سؤال الناس ومنه [الحديث الشريف]: (رحم الله عبداً عف وتعفف وكف عن المسألة)،.. وفي الدعاء الشريف: “اللهم اني أسألك العفاف والغنى، قيل العفاف هنا قدر الكفاف، والغنى غنى النفس، وفي الخبر: من يستعفف يعفه الله، قال بعض الشارحين: الاستعفاف طلب العفاف، والتعفف هو الكف عن الحرام والسؤال من الناس”، وقيل الاستعفاف هو: الصبر والنزاهة عن القبايح) وفي كتاب مفردات الفاظ غريب القرآن قال الراغب الاصفهاني:
(العفة [تعني] حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة، والمتعفف المتعاطي لذلك [أي المتحلي بحالة العفة] بضرب من الممارسة والقهر،… والاستعفاف طلب العفة، قال الله عزوجل: “وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ” (۲۷۳ البقرة)
أيها الاخوة والأخوات، والذي نستفيده من النصوص المتقدمة هو أن معنى العفة حالة من حالات الكمال الانساني يكون فيها العقل حاكماً على غرائز الانسان فلا يسمح لها بتعاطي ما هو قبيح صوناً للنفس من الرذيلة، قال العلامة النراقي في كتاب جامع السعادات: “وأما فضيلة العفة فقد عرفت انها عبارة عن ملكة انقياد القوة الشهوية للعقل حتى يكون تصرفها مقصوراً على أمره ونهيه فيقدم على ما فيه المصلحة وينزجر عما يتضمن المفسدة … وينبغي ان يكون الباعث للاتصاف بتلك الملكة كونها فضيلة وكمالاً للنفس وحصول السعادة الحقيقية بها… فالاعراض عن اللذات الدنيوية لتحصيل الأزيد من جنسها ليس عفة كما هو شأن بعض تاركي الدنيا للدنيا”.
إذن، فالتحلي بالعفة هو مستمعينا الافاضل من أسمى الكمالات الانسانية، يهب الانسان الحياة الكريمة والعزة الحقيقية في الحياة الدنيا، اما اذا اقترن بنية التقرب الى الله عزوجل وابتغاء مرضاته فانه يرقى بالانسان للفوز بالسعادة الحقيقية والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، والى هذا المعنى يشير قوله تبارك وتعالى في الآيتين ۳۹ و٤۰ من سورة النازعات:
“وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى”
كما أن التحلي بالعفة يعني –أيها الاحبة- سير الانسان على الجادة الوسطى بين افراط الانغماس في الشهوات وهو الشره، وتفريط (الخمود) اي كبت الغرائز وحرمان النفس من احتياجاتها المشروعة.
أعزاءنا المستمعين، وبناءً على التوضيحات المتقدمة نفهم أن مولانا امام زماننا المهدي –ارواحنا فداه- يوصينا في الفقرة المتقدمة من دعائه المبارك المعروف بدعاء (توفيق الطاعة) بأن نجتهد بأن نخلص النية في ابتغاء مرضاة الله ونحن نتخلق بخلق العفة بما تعنيه من ضبط الاستجابة للغرائز في دائرة أوامره ونواهيه تبارك وتعالى، في مختلف شؤون الحياة؛ وبذلك يكون هذا السعي من أفضل مصاديق العبادة كما صرحت بذلك الاحاديث الشريفة.
اما سبل التخلق بهذا الخلق النبيل والعمل بهذه الوصية المهدوية، فهذا ما سنفصل الحديث عنه انطلاقاً مما ذكرته النصوص الشريفة في حلقة مقبلة بأذن الله تبارك وتعالى:
أيها الاحبة، نتابع تقديم برنامجكم (شمس خلف السحاب) من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران ومعكم الآن زميلنا الاخ عباس باقري وخلاصة اجوبة العلماء على سؤال هذه الحلقة، نستمع معاً:
الباقري: بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم احباءنا وسلام على مستمعنا الكريم الأخ خليل العامري، أيها الأخوة والأخوات الأخ العامري بعث لنا برسالة إشتملت على أكثر من سؤال فيما يرتبط بكثرة ذكر المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف كإحدى العلامات التي ذكرتها الأحاديث الشريفة لظهوره، في حلقة سابقة تقدمت الإجابة عن أسئلة فرعية وردت في رسالته، هل أن هذا الذكر يخص المؤمنين وأنصار الامام أم حتى أعداءه فأجابنا خلاصته أن المستفاد من الأحاديث الشريفة نعم أن المؤمنون يشتاقون اليه وكذلك عموم البشرية تبحث عن منقذ فتكثر ذكر المنقذ ولو لم تشخص هويته بالامام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف والقضية الثالثة حتى اعداءه يكثرون ذكره بمعنى تتبع اخباره وإن ينكرون علنياً وجوده ولكن عملياً يتعاملون على أساس السعي للقضاء على هذه الحركة الاصلاحية الكبرى الإلهية والموعودة. اما بالنسبة الى سؤال الأخ خليل العامري هل أن هذه العلامة من علامات ظهوره الحتمية؟ فيما يرتبط بهذا السؤال لم نجد في الروايات الشريفة وأقوال العلماء مايصرح بأنها من العلامات المحتومة ولكن يمكن الإستفادة من أنها من العلامات الأساسية من ملاحظة بعض القرائن يعني أمثال طبيعة الجو الموجود مثلاً في دعاء الندبة وطبيعة الجو او حالة الروحية التي تسعى زياراته عليه السلام ونصوص زياراته عليه السلام المروية عن أئمة اهل البيت وكذلك نصوص الأدعية الواردة بشأنه أنه كلما إشتد ارتباط المؤمنين وذكر المؤمنين له كلما توفر أحد الشروط الأساسية لظهوره وذلك يشكل اذا كان شرطاً أساسياً فهو من العلامات الحتمية هذا اولاً، ثانياً هنالك على الطرف الآخر هناك رويات تشير الى أن ظهوره عليه السلام يكون بغتة والبغتة قد لاتنسجم ظاهرياً مع الذكر الظاهري له عليه السلام والترقب الظاهري له عليه السلام وهذا الأمر والاشكال يمكن أن يزال بأنه مباغت من جهة للأعداء أولاً وثانياً بإعتبار أنه بغتة يوم لا تنفع توبة او بهذا المضمون ورد ذلك في الأحاديث الشريفة في رسائل الامام المهدي للشيخ المفيد كما تعلمون، لذلك يمكن أن ينتشر ذكره دون أن يؤثر ذلك على علامات ظهوره. هنالك اشارة أكدتها الأحاديث الشريفة والعلماء الأعلام، آية الله الشيخ بهجت نقلنا عنه في حلقة سابقة أن حتى العلامات المحتومة يمكن أن يحققها الله تبارك وتعالى اذا تقرر او أذن بظهور الامام المهدي سلام الله عليه في وقتها بمعنى أنه اذا لم يلاحظ المؤمنون كثرة ذكره ظاهرياً هذه العلامة حتى لو كانت محتومة يمكن أن يعجل الله تبارك وتعالى في ظهورها اذا أذن بظهور الامام لذلك هنالك تكليف عقائدي عام بحثه وفصله آية الله السيد محمد تقي الأصفهاني في كتابه القيم مكيال المكارم بوجوب توقع ظهور الامام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في كل حين وأن الله تبارك وتعالى يمكن أن يجمع حتى العلامات المحتومة ويحققها في آن واحد يعني في وقت سريع ولعل ذلك هو احد الوجوه التي ذكرها العلماء لتفسير معنى الحديث النبوي الشريف “يصلح أمره في ليلة” عن الامام المهدي سلام الله عليه، أن يحقق ما لزم من لوازم وشروط ظهوره اذا قرر الله تيارك وتعالى او استجاب لدعاء المؤمنين بأن يعجل ظهوره. عجل الله تعالى فرجه وجعلنا من خيار أعوانه وأنصاره.
مستمعينا الافاضل، حان الآن موعدكم مع الفقرة الختامية في لقاء اليوم من برنامجكم (شمس خلف السحاب)
وحكاية موثقة اخرى فيها شاهد على بركات التوسل الى الله عزوجل بخليفته ووليه امام العصر –ارواحنا فداه-، اخترنا لحكاية اليوم العنوان التالي:
سجدت شكراً لله
أيها الاطائب، تدعونا كثيرٌ من النصوص الشريفة –قرآنا وسنة- الى التوسل الى الله بمن أمر عزوجل بأتخاذهم وسيلة اليه وهم محمد وأهل بيته الطاهرين –صلوات الله عليه وعليهم أجمعين-.
فهذا التوسل اذن هو من جهة عبودية لله عزوجل لأنه استجابة عملية لما امر به، كما ان من حكمه تقوية ارتباط المؤمنين بخلفاء الله الصادقين –عليهم السلام- كهداة اليه بأمره تبارك وتعالى.
وهذا الامر يصدق على التوسل الى الله عزوجل بخليفته امام العصر بل ويتأكد بالنسبه اليه بسبب غيبته –عجل الله فرجه- فالتوسل به من وسائل تقوية الايمان به في غيبته وتقوية الارتباط والائتمام به –عليه السلام-.
ولذلك فإن الاستغاثة به هي من في واقعها استغاثة بربه الجليل تبارك وتعالى، وعلى ذلك جرت سنة العلماء الاتقياء ومنهم آية الله المولى الزاهد الشيخ الفقيه باقر البهبهاني احد اعلام الحوزة النجفية في القرن الهجري الرابع عشر، وقد سجل احدى توسلاته بامام العصر –ارواحنا فداه- في كتابه القيم (الدمعة الساكبة)، ننقل لكم ما رواه هذا العالم الجليل بعد قليل فأبقوا معنا شكورين:
قال –رضوان الله عليه- في كتابه المذكور وطبق ما نقله مترجماً الى الفارسية آية الله الشيخ النهاوندي في كتاب (العبقري الحسان):
(اصيب ولدي الوحيد (علي محمد) بمرض عضال كان يشتد كل يوم ويشتد معه غمي وحزني، حتى يأس الناس من شفائه وايقنوا من أنه ميت لا محالة، فتوجه العلماء والسادة الى الدعاء، وكانوا يطلبون شفاءه في أدعيتهم…
وفي الليلة الحادية عشر من مرضه بلغت آلامه ذروتها، فلم تبق لي وسيلة سوى الالتجاء الى مولاي قائم آل محمد –صلى الله عليه وآله-، فخرجت من عند ولدي وقد سيطر علي الاضطراب والأذى وصعدت الى سطح داري وتوسلت بمولاي بألحاح وناديته:
يا صاحب الزمان أدركني، يا صاحب الزمان أغثني.
وبعد هذا التوسل نزلت الى غرفة ولدي وجلست مقابله لآراه وقد استعادت انفاسه نظمها الطبيعي وخرج من غشيته وعاد يدرك ما حوله بصورة طبيعية وقد تعرق كثيراً وزال عنه المرض العضال… فسجدت حمداً لله وشكراً على هذه النعمة الكريمة).
نشكركم أطيب الشكر مستمعينا الاطائب على طيب المتابعة لفقرات حلقة اليوم من برنامجكم (شمس خلف السحاب)… تابعونا في الحلقة المقبلة التي تأتيكم بأذن الله من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران …. دمتم في رعاية الله آمنين وببركات موالاة محمد وآله الطاهرين متنعمين والحمدلله رب العالمين.

في الأخلاق والعرفان


اليقين المسبق على التوجه إلى الآثار


إستشهاد الامام الجواد(ع)


إستشهاد الامام الجواد(ع)

استقدام الإمام (عليه السلام) الى بغداد:

لقد خشي المعتصم من بقاء الإمام الجواد (عليه السلام) بعيداً عنه في المدينة، لذلك قرر استدعاءه الى بغداد، حتى يكون على مقربة منه يحصي عليه انفاسه ويراقب حركاته، ولذلك جلبه من المدينة، فورد بغداد لليلتين بقيتا من المحرم سنة عشرين ومائتين، وتوفي بها(عليه السلام) في ذي القعدة من هذه السنة[1].
لقد كان هذا الاستقدام بمثابة الاقامة الجبرية تتبعه عملية اكبر وهي التصفية الجسدية.

اغتيال الإمام الجواد (عليه السلام):

كان وجود الإمام الجواد (عليه السلام) يمثل خطراً على النظام الحاكم لما كان يملكه هذا الإمام من دور فاعل وقيادي للاُمة، لذلك قررت السلطة أن تتخلّص منه مع عدم استبعادها وجود العلاقة بين الإمام القائد والتحركات النهضوية في الاُمة.
فقد روى المؤرخون عن زرقان صاحب ابن أبي دؤاد قاضي المعتصم قوله: «رجع ابن أبي دؤاد ذات يوم من عند المعتصم وهو مغتمّ فقلت له في ذلك، فقال وددت اليوم اني قد مت منذ عشرين سنة، قال قلت له: ولم ذاك؟ قال: لما كان من هذا الاسود أبي جعفر محمد بن علي بن موسى اليوم بين يدي أمير المؤمنين، قال: قلت له: وكيف كان ذلك؟ قال: إن سارقاً اقرّ على نفسه بالسرقة، وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحدّ عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه وقد أحضر محمد بن علي فسألناه عن القطع في اي موضع يجب أن يقطع؟ قال: فقلت: من الكرسوع.
قال: وما الحجة في ذلك؟ قال: قلت: لأن اليد هي الاصابع والكفّ الى الكرسوع[2]، لقول الله في التيمم ( فامسحوا بوجوهكم وايديكم )[3] واتفق معي ذلك قوم.
وقال آخرون: بل يجب القطع من المرفق، قال: وما الدليل على ذلك؟ قالوا: لأن الله لمّا قال: ( وايديكم الى المرافق ) في الغسل دلّ ذلك على ان حدّ اليد هو المرفق.
قال: فالتفت الى محمد بن علي (عليه السلام) فقال: ما تقول في هذا ياأبا جعفر؟ فقال: قد تكلم القوم فيه ياأمير المؤمنين، قال: دعني ممّا تكلموا به ! اي شيء عندك؟ قال: اعفني عن هذا ياأمير المؤمنين، قال: اقسمت عليك بالله لمّا اخبرت بما عندك فيه.
فقال: أمّا اذا أقسمت عليّ بالله اني اقول انهم اخطأوا فيه السنّة، فإن القطع يجب ان يكون من مفصل اُصول الاصابع، فيترك الكفّ، قال: وما الحجة في ذلك؟ قال: قول رسول الله: السجود على سبعة أعضاء: الوجه واليدين والركبتين والرجلين، فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها وقال الله تبارك وتعالى: ( وان المساجد لله )[4] يعني بهذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها ( فلا تدعوا مع الله أحداً ) وما كان لله لم يقطع.
قال: فأعجب المعتصم ذلك وأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكفّ.
قال ابن أبي دؤاد: قامت قيامتي وتمنّيت أني لم أك حيّاً.
قال زرقان: قال ابن أبي دؤاد: صرت الى المعتصم بعد ثالثة، فقلت: ان نصيحة أمير المؤمنين عليّ واجبة وانا أكلّمه بما أعلم أني ادخل به النار، قال: وما هو؟ قلت: اذا جمع أمير المؤمنين في مجلسه فقهاء رعيته وعلماءهم لأمر واقع من اُمور الدين، فسألهم عن الحكم فيه فأخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك، وقد حضر مجلسه أهل بيته وقوّاده ووزراؤه وكتّابه، وقد تسامع الناس بذلك من وراء بابه، ثمّ يترك أقاويلهم كلهم لقول رجل شطر هذه الأمة بامامته، ويدّعون أ نّه أولى منه بمقامه ثم يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء؟
قال: فتغير لونه وانتبه لما نبّهته له، وقال: جزاك الله عن نصيحتك خيراً. قال: فأمر اليوم الرابع فلاناً من وزرائه بأن يدعوه [ اي الجواد(عليه السلام)] الى منزله فدعاه فأبى ان يجيبه وقال(عليه السلام): قد علمت اني لا أحضر مجالسكم، فقال: إني انما ادعوك الى الطعام واحبّ ان تطأ ثيابي، وتدخل منزلي فأتبرّك بذلك، فقد احبّ فلان بن فلان من وزراء الخليفة لقاءك، فصار اليه، فلمّا طعم منها أحس السمّ فدعا بدابّته فسأله رب المنزل ان يقيم. قال(عليه السلام): خروجي من دارك خير لك، فلم يزل يومه ذلك وليله في خلفة حتى قبض (عليه السلام) »[5].
لقد كان الإمام الجواد (عليه السلام) يتوقع استشهاده بعد هذا الاستدعاء فقد روي عن اسماعيل بن مهران قوله: «لمّا اُخرج أبو جعفر (عليه السلام) من المدينة إلى بغداد في الدفعة الاولى من خرجتيه قلت له عند خروجه: جُعلت فداك، إني أخاف عليك من هذا الوجه، فإلى من الأمر بعدك؟ قال: فكرّ بوجهه اليّ ضاحكاً وقال: ليس حيث ظننت في هذه السنة.
فلمّا استدعي به الى المعتصم صرتُ اليه فقلتُ له: جُعلتُ فداك، أنت خارجٌ، فإلى من هذا الأمرُ من بعدك؟ فبكى حتى اخضلّت لحيته ثم التفتَ اليّ فقال: عند هذه يُخاف عليّ، الأمرُ من بعدي الى ابني علي»[6].
لقد درس المعتصم اكثر السبل التي يستطيع بها ان يصفي الإمام، فاعلية وأقلها ضرراً، فلم يجد افضل من اُم الفضل بنت أخيه المأمون للقيام بهذه المهمّة فهي التي تستطيع ان تقتله بصورة اكيدة دون ان تثير ضجة في الاُمة، مستغلاً نقطتين في شخصيتها، هما:
1- كونها تنتمي للخط الحاكم انتماءً حقيقياً، فهي بنت المأمون وعمّها المعتصم، وليست بالمستوى الايماني الذي يجعلها تنفك عن انتمائها النسبي هذا، لذلك كانت تخضع لتأثيراته وتنفذ ما يريده ضد الإمام.
2- غيرتها وحقدها على الإمام بسبب تسريه وتزوّجه من نساء اُخريات خصوصاً وانها لم تلد للامام وإنما رزق الإمام من غيرها ولده الهادي (عليه السلام).
ولقد كان أمر غيرتها شائعاً بين الناس لذلك قال المؤرخون: «وقد روى الناس ان اُم الفضل كتبت الى أبيها من المدينة تشكو أبا جعفر وتقول: انه يتسرى علي ويغيرني. فكتب اليها المأمون: يابنيّة انا لم نزوجك أبا جعفر لنحرّم عليه حلالاً، فلا تعاودي لذكر ما ذكرت بعدها»[7].
ولم تخل هذه الفترة من الاعتداءات الظاهرية على الإمام (عليه السلام) من أذناب السلطة، ومن ذلك ما فعله عمر بن فرج الرخجي الرجل المعادي لأهل البيت (عليهم السلام) والعامل عند السلطة العباسية. فمثلاً روى المؤرخون عن محمد بن سنان قوله: دخلت على أبي الحسن الهادي(عليه السلام) فقال: يامحمد حدث بآل فرج حدث؟ فقلت: مات عمر. فقال: الحمد لله على ذلك، أحصيت أربعاً وعشرين مرة، ثم قال: أو لا تدري ما قال ـ لعنه الله ـ لمحمد بن علي أبي؟ قال: قلت: لا، قال: خاطبه في شيء، فقال: أظنّك سكران، فقال أبي: اللهمّ إن كنت تعلم أني أمسيت لك صائماً فأذقه طعم الحرب وذلّ الأسر. فوالله إن ذهبت الأيام حتى حُرب ماله، وما كان له، ثم اُخذ أسيراً فهو ذا مات»[8].

استشهاد الإمام الجواد (عليه السلام)

تحدثنا عن دوافع المعتصم في اغتيال الإمام الجواد (عليه السلام) وعن اختياره اُم الفضل لتنفيذ الجريمة.
ومما يشير الى أسباب استغلال المعتصم لاُمّ الفضل وكيفية تحريضها على الاقدام على قتل الإمام (عليه السلام) ما روي من شدة غيرتها أيام أبيها وتوريطها لأبيها على ارتكاب جريمة قتل الإمام من قبل المأمون نفسه. [9]
قال أبو نصر الهمداني: «حدثتني حكيمة بنت محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر عمّة أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام).
قالت: لمّا مات محمّد بن عليّ الرّضا (عليه السلام) أتيت زوجته اُم عيسى[10] بنت المأمون فعزّيتها فوجدتها شديدة الحزن والجزع عليه تقتل نفسها بالبكاء والعويل، فخفت عليها ان تتصدّع مرارتها فبينما نحن في حديثه وكرمه ووصف خُلقه وما اعطاه الله تعالى من الشّرف والاخلاص ومَنَحَهُ من العزّ والكرامة، اذ قالت امّ عيسى: الا اخبرك عنه بشيء عجيب وأمر جليل فوق الوصف والمقدار؟ قلت: وما ذاك؟
قالت: كنت أغار عليه كثيراً وأراقبه ابداً وربما يسمعني الكلام فاشكو ذلك الى أبي فيقول يابنيّة احتمليه فانّه بضعة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فبينما انا جالسة ذات يوم اذ دخلت عليّ جارية فسلّمت، فقلت: من انت؟ فقالت: انا جارية من ولد عمّار بن ياسر وانا زوجة أبي جعفر محمّد بن عليّ الرضا (عليه السلام) زوجك.
فدخلني من الغيرة ما لا اقدر على احتمال ذلك هممت ان اخرج واسيح في البلاد وكاد الشيطان ان يحملني على الإساءة اليها، فكظمت غيظي واحسنت رفدها وكسوتها، فلمّا خرجت من عندي المرأة نهضت ودخلت على أبي وأخبرته بالخبر وكان سكراناً لا يعقل. فقال: ياغلام عليّ بالسّيف، فاتى به، فركب وقال: والله لاقتلنّه فلمّا رايت ذلك قلت: انّا لله وانّا اليه راجعون، ما صنعت بنفسي وبزوجي وجعلت ألطم حرّ وجهي، فدخل عليه والدي وما زال يضربه بالسيف حتى قطعه.
ثم خرج من عنده وخرجت هاربة من خلفه فلم ارقد ليلتي فلمّا ارتفع النّهار اتيت أبي فقلت: اتدري ما صنعت البارحة؟ قال: وما صنعتُ؟ قلت: قتلتَ ابن الرّضا (عليه السلام)، فبرق عينه وغشي عليه ثم افاق بعد حين وقال: ويلك ما تقولين؟ قلت: نعم والله يا ابه دخلت عليه ولم تزل تضربه بالسّيف حتى قتلته، فاضطرب من ذلك اضطراباً شديداً وقال: عليّ بياسر الخادم فجاء ياسر.
فنظر اليه المأمون وقال: ويلك ما هذا الّذي تقول هذه ابنتي قال: صدقَتْ ياامير المؤمنين فضرب بيده على صدره وخدّه، وقال: انّا لله وانّا اليه راجعون هلكنا بالله وعطبنا وافتضحنا الى آخر الابد ويلك ياياسر فانظر ما الخبر والقصة عنه(عليه السلام)؟ وعجّل عليّ بالخبر فان نفسي تكاد ان تخرج السّاعة فخرج ياسر وانا ألطم حرّ وجهي، فما كان ياسر من ان رجع، فقال: البشرى ياامير المؤمنين. قال: لك البشرى فما عندك؟
قال ياسر: دخلت عليه فاذا هو جالس وعليه قميص ودواج وهو يستاك فسلّمت عليه وقلت: ياابن رسول الله اُحب أن تهب لي قميصك هذا اصلّي فيه واتبرك به، وانما اردت ان انظر اليه والى جسده هل به اثر السّيف فوالله كأنّه العاج الّذي مسّه صفرة ما به اثر. فبكى المأمون طويلاً وقال: ما بقى مع هذا شيء إنّ هذا لعبرة للأوّلين والآخرين.
وقال: ياياسر امّا ركوبي اليه واخذي السّيف ودخولي عليه فاني ذاكر له وخروجي عنه فلست اذكر شيئاً غيره ولا اذكر ايضاً انصرافي الى مجلسي فكيف كان امري وذهابي اليه، لعن الله هذه الابنة لعناً وبيلاً، تقدّم اليها وقل لها يقول لك ابوك والله لئن جئتني بعد هذا اليوم شكوت او خرجت بغير اذنه لانتقمنّ له منك.
ثم سر الى ابن الرّضا وابلغه عني السّلام واحمل اليه عشرين الف دينار وقدّم اليه الشهري الّذي ركبته البارحة، ثم أمر بعد ذلك الهاشميّين ان يدخلوا عليه بالسّلام ويسلّموا عليه. قال ياسر: فأمرت لهم بذلك ودخلت انا ايضاً معهم وسلّمت عليه وابلغت التّسليم ووضعت المال بين يديه وعرضت الشّهري عليه فنظر اليه ساعة ثم تبسّم.
فقال(عليه السلام): ياياسر هكذا كان العهد بيننا وبينه حتّى يهجم علي، اما علم ان لي ناصراً وحاجزاً يحجز بيني وبينه. فقلت: ياسيّدي ياابن رسول الله دع عنك هذا العتاب واصفح، والله وحق جدّك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما كان يعقل شيئاًمن امره وما علم اين هو من ارض الله وقد نذر لله نذراً صادقاً وحلف ان لا يسكر بعد ذلك ابداً، فان ذلك من حبائل الشّيطان، فاذا انت ياابن رسول الله اتيته فلا تذكر له شيئاً ولا تعاتبه على ما كان منه.
فقال (عليه السلام): هكذا كان عزمي ورأيي والله، ثم دعا بثيابه ولبس ونهض وقام معه الناس اجمعون حتى دخل على المأمون فلمّا رآه قام اليه وضمّه الى صدره ورحّب به ولم يأذن لأحد في الدخول عليه ولم يزل يحدّثه ويستأمره، فلمّا انقضى ذلك قال أبو جعفر محمّد بن علي الرّضا (عليه السلام): «يا أمير المؤمنين»، قال: لبيّك وسعديك. قال: «لك عندي نصيحة فاقبلها».
قال المأمون: بالحمد والشكر فما ذاك ياابن رسول الله؟
قال(عليه السلام): احبّ لك ان لا تخرج باللّيل فإني لا آمن عليك من هذا الخلق المنكوس وعندي عقد تحصّن به نفسك وتحرّز به من الشرور والبلايا والمكاره والآفات والعاهات، كما انقذني الله منك البارحة ولو لقيت به جيوش الرّوم والتّرك واجتمع عليك وعلى غلبتك اهل الأرض جميعاً ماتهيّأ لهم منك شيء بإذن الله الجبّار. وان احببت بعثت به اليك لتحترز به من جميع ما ذكرت لك. قال: نعم، فاكتب ذلك بخطّك وابعثه اليّ، قال: نعم.
قال ياسر: فلمّا اصبح أبو جعفر (عليه السلام) بعث اليّ فدعاني فلمّا صرت اليه وجلست بين يديه دعا برقّ ظبي من ارض تهامة ثم كتب بخطّه هذا العقد.
ثم قال(عليه السلام): ياياسر احمل هذا الى امير المومنين وقل له: حتى يصاغ له قصبة من فضّة منقوش عليها ما اذكره بعده فإذا اراد شدّه على عضده فليشدّه على عضده الأيمن وليتوضّأ وضوءاً حسناً سابغاً وليصل اربع ركعات يقرأ في كلّ ركعة: فاتحة الكتاب مرّة وسبع مرّات: آية الكرسي وسبع مرات: شهد الله وسبع مرّات والشمس وضحاها وسبع مرّات: واللّيل اذا يغشى وسبع مرّات: قل هو الله احد.
فاذا فرغ منها فليشدّه على عضده الايمن عند الشّدائد والنوائب يسلم بحول الله وقوته من كلّ شيء يخافه ويحذره وينبغي ان لا يكون طلوع القمر في برج العقرب ولو انه غزى اهل الرّوم وملكهم لغلبهم باذن الله وبركة هذا الحرز.
وروي انه لمّا سمع المأمون من أبي جعفر في أمر هذا الحرز هذه الصفات كلّها غزا اهل الرّوم فنصره الله تعالى عليهم ومنح منهم من المغنم ما شاء الله ولم يفارق هذا الحرز عند كلّ غزاة ومحاربة وكان ينصره الله عزوجلّ بفضله ويرزقه الفتح بمشيّته انَّه وليّ ذلك بحوله وقوته ». [11]
ويقول المؤرخون إن اُم الفضل ارتكبت جريمتها بحقّ الإمام الجواد (عليه السلام) عندما سقته السمّ.
فقد روي: « أنّ المعتصم جعل يعمل الحيلة في قتل أبي جعفر (عليه السلام) وأشار على ابنة المأمون زوجته بأن تسمّه لأنّه وقف على انحرافها عن أبي جعفر (عليه السلام) وشدّة غيرتها عليه… فأجابته الى ذلك وجعلت سمّاً في عنب رازقي ووضعته بين يديه، فلمّا أكل منه ندمت وجعلت تبكي فقال: ما بكاؤك؟ والله ليضربنّك الله بفقر لا ينجبر، وبلاء لا ينستر، فماتت بعلّة في اغمض المواضع من جوارحها، صارت ناصوراً فانفقت مالها وجميع ما ملكته على تلك العلّة، حتى احتاجت الى الاسترفاد»[12].
وأثّر السمّ في الإمام تأثيراً شديداً حتى لفظ انفاسه الاخيرة ولسانه يلهج بذكر الله تعالى، وقد انطفأت باستشهاده شعلة مشرقة من الامامة والقيادة المعصومة في الاسلام.
لقد استشهد الإمام الجواد (عليه السلام) على يد طاغية زمانه المعتصم العباسي وقد انطوت بموته صفحة من صفحات الرسالة الاسلامية التي اضاءت الفكر ورفعت منار العلم والفضيلة في الأرض.

تجهيزه ودفنه:

وجُهّز بدن الإمام (عليه السلام) فغسّل واُدرج في اكفانه، وبادر الواثق والمعتصم فصليا عليه [13]، وحمل الجثمان العظيم الى مقابر قريش، وقد احتفت به الجماهير الحاشدة، فكان يوماً لم تشهد بغداد مثله فقد ازدحمت عشرات الآلاف في مواكب حزينة وهي تردد فضل الإمام وتندبه، وتذكر الخسارة العظمى التي مني بها المسلمون في فقدهم للامام الجواد (عليه السلام) وحفر للجثمان الطاهر قبر ملاصق لقبر جده العظيم الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) فواروه فيه وقد واروا معه القيم الانسانية، وكل ما يعتز به الانسان من المثل الكريمة[14].
عن أبي جعفر المشهدي باسناده عن محمد بن رضيّة عن مؤدّب لأبي الحسن]الهادي(عليه السلام)[، قال: «انه كان بين يدي يوماً يقرأ في اللوح اذ رمى اللوح من يده وقام فزعاً وهو يقول: انا لله وانا اليه راجعون مضى والله أبي (عليه السلام) فقلت: من اين علمت هذا؟ فقال(عليه السلام): من اجلال الله وعظمته شيء لا أعهده.
فقلت: وقد مضى، قال: دع عنك هذا ائذن لي ان ادخل البيت واخرج اليك واستعرضني بآي القرآن ان شئت اقل لك بحفظ، فدخل البيت فقمت ودخلت في طلبه اشفاقاً مني عليه وسألت عنه فقيل دخل هذا البيت وردّ الباب دونه وقال لي: لا تؤذن عليّ أحداً حتى أخرج عليكم.
فخرج(عليه السلام) الي متغيّراً وهو يقول: انا لله وانا اليه راجعون مضى والله أبي، فقلت: جعلت فداك، قد مضى فقال: نعم وتولّيت غسله وتكفينه وما كان ذلك لِيلَي منه غيري ثم قال لي: دع عنك واستعرضني آي القرآن ان شئت أفسر لك تحفظه»
فقلت: الاعراف. فاستعاذ بالله من الشيطان الرجيم ثم قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم * واذ نتقنا الجبل فوقهم كانّه ظلّة وظنوا انه واقع بهم )[15].

عمره وتاريخ استشهاده

اما عمر الإمام الجواد(عليه السلام) حين قضى نحبه مسموماً فكان خمساً وعشرين سنة [16] على ما هو المعروف، وهو أصغر الائمة الطاهرين الاثني عشر(عليهم السلام) سنّاً، وقد أمضى حياته في سبيل عزة الاسلام والمسلمين ودعوة الناس الى رحاب التوحيد والايمان والتقوى.
واستشهد الإمام الجواد (عليه السلام) سنة ( 220 هـ ) يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذي القعدة، وقيل: لخمس ليال بقين من ذي الحجة وقيل: لست ليال خلون من ذي الحجة، وقيل: في آخر ذي القعدة[17].
فسلام عليه يوم ولد ويوم تقلّد الإمامة وجاهد في سبيل ربّه صابراً محتسباً ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً.

متطلّبات عصر الإمام الجواد (عليه السلام)

بعد أن وقفنا في الفصلين السابقين على ملامح عصر الإمام الجواد(عليه السلام) وطبيعة تعامل الحكّام مع الإمام(عليه السلام) وخطّه الرسالي والجماعة الصالحة التي تقف الى جانب الإمام الحق الذي تمثّل مسيرته خطّ الهداية الربّانية للبشرية.. لابدّ أن نقف في هذا الفصل على مجمل متطلّبات عصر الإمام الجواد(عليه السلام) الخاص بظروفه ومستجداته الثقافية والسياسية والاجتماعية من خلال مجموعة المهام الرسالية التي جُعلت في الشريعة الإسلامية على عاتق أهل البيت(عليهم السلام) بشكل عام وعلى عاتق (التاسع منهم) الإمام الجواد بشكل خاص.
وذلك لأن أهل البيت(عليهم السلام) هم أهل بيت النبوّة والرسالة الذين ربّاهم الرسول(صلى الله عليه وآله) بيديه الكريمتين وجعلهم الدرع الحصينة التي تقي الرسالة من أن يتلاعب بها الحكّام ووعّاظ السلاطين بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، كما أنها تقي الاُمة الإسلامية من السقوط والتردّي الى المهوى السحيق، بعد أن أصبحت الاُمة الإسلامية هي الاُمة الحية التي لابدّ لها أن تحمل مشعل الحضارة الإسلامية والربّانية الى العالم أجمع، وقد مُنيت بصدمة كبيرة تمثّلت في الانحراف الذي طال القيادة السياسية والذي أخذ يستشري في سائر مجالات الحياة الإسلامية.
والإمام الجواد(عليه السلام) في عصره الخاص أمام مجموعة من الإنجازات التي حققها آباؤه الطاهرون في هذين الحقلين المهمّين، كما أنّه أمام مستجدات ومتغيّرات في الوضع السياسي والاجتماعي والديني بعد أن سمحت الدولة الإسلامية للتيارات المنحرفة لتعمل بحرّية في الساحة الإسلامية وذلك لأن الحكام المنحرفين قد استهدفوا إضعاف جبهة أهل البيت الرسالية دون مواجهة علنية سافرة.
والإمام الجواد(عليه السلام) لابدّ أن يوازن ويوائم بين المهامّ والمسؤوليات الرسالية من جهة، والامكانات وما يمكن تحقيقه في هذا الظرف الخاص من جهة اُخرى للاقتراب من الأهداف الكبرى والنهائية التي رسمتها له الشريعة وصاحبها وجعلت منه قيّماً رسالياً وقائداً ربّانياً قد نذر نفسه لله تعالى ولرسالته الخالدة.
من هنا يتّضح لنا ما يتطلبه العصر الخاص بالإمام الجواد(عليه السلام) وما ينبغي أن يقوم به من دور فاعل في الساحة الإسلامية وما يحققه من انجازات خاصة بالجماعة الصالحة.
إذاً نقسّم البحث عن هذه المتطلّبات الى بحثين أساسييّن:
الأوّل: متطلّبات الساحة الإسلامية العامة.
الثاني: متطلّبات الجماعة الصالحة.
أما متطلّبات الساحة الإسلامية العامّة فتتلخّص فيما يلي:

1- إثبات جدارة خط أهل البيت(عليهم السلام) للقيادة الرسالية لجمهور المسلمين وجدارة الإمام الجواد(عليه السلام) بشكل خاص لمنصب القيادة الربّانية.
2- الردّ على محاولات التسقيط والاستفزاز التي كان يقوم بها الخطّ الحاكم ضد أهل البيت(عليهم السلام) وأتباعهم.
3- التمهيد العام لدولة الحق المرتقبة رغم محاولات السلطة للقضاء على قضية الإمام المهدي(عليه السلام) بأشكال شتى.
4- مواجهة الانحرافات والبدع والتيارات المنحرفة في الساحة الإسلامية.
5- التوجّه الى هموم أبناء الاُمة الإسلامية.

وأما متطلّبات الخط الرسالي والجماعة الصالحة فهي كما يلي:

1- تجسيد ظاهرة الإمامة المبكّرة، من خلال تخطي القوانين الطبيعية.
2- تعميق البناء الثقافي والروحي والتربوي للجماعة الصالحة.
3- إحكام تنظيم الجماعة الصالحة واعدادها لدور الغيبة الطويلة.
4- التمهيد لإمامة الهادي المبكّرة رغم الظروف الحرجة.
5- التمهيد للإمام الغائب المنتظر بما يتناسب مع حراجة الظرف والاعداد الفكري والروحي لعصر الغيبة المرتقب إعداداً يتناسب مع صعوبات الظرف الخاص.

 

[1] كشف الغمة: 2 / 361.
[2] الكرسوع: كعصفور: طرف الزند الذي يلي الخنصر الناتئ عند الرسغ.
[3] المائدة (5): 5.
[4] الجن (72): 18.
[5] بحار الانوار: 50 / 5 ـ 7.
[6] الارشاد: 2 / 298.
[7] كشف الغمة: 2 / 358.
[8] بحار الأنوار: 50/62 ـ 63.
[9] حياة الإمام محمد الجواد (عليه السلام): 264.
[10] اُم عيسى هي كنية اُخرى لاُم الفضل، واسمها زينب، كما في بعض النصوص.
[11] بحار الأنوار: 50 / 62 ـ 63.
[12] بحار الانوار: 50 / 17.
[13] ان الصلاة من قبل المعتصم والواثق على الإمام (عليه السلام) إنما هو للتعتيم الإعلامي على قتل الإمام (عليه السلام) والمعروف ان المعصوم (عليه السلام) يقوم بتجهيز المعصوم والصلاة عليه. فلا مانع من حضور الإمام الهادي(عليه السلام) عند تجهيز أبيه الجواد (عليه السلام). راجع النص من الإمام الهادي على حضوره تغسيل وصلاة ودفن أبيه في مسند الإمام محمد الجواد (عليه السلام): 125 ـ 126.
[14] حياة الإمام محمد الجواد (عليه السلام): 263.
[15] الثاقب: 204.
[16] حياة الإمام محمد الجواد (عليه السلام): 264.
[17] الكافي: 1 / 497 / 12، اعلام الورى عن ابن عياش، التهذيب: 6 / 90.

تفسير القران الدرس الثاني


ذكرى شهادة مولانا الإمام الجواد عليه السلام


الدرس الاول في تفسير القران


الحوزة المهدوية 

%d مدونون معجبون بهذه: