من عرف نفسه فقد عرف ربه *** أفضل العبادة إنتظار الفرج

(…قال إن له غيبة تكثر أيامها ويطول أمدها فينتظر خروجه المخلصون وينكره المرتابون ويستهزئ به الجاحدون ويكذب فيها الوقاتون ويهلك فيها المستعجلون وينجو فيها المسلمون).

نظام العالم في ظلّ عصر الظّهور

 

نظام العالم في ظلّ عصر الظّهور

الاستعداد للظهور

  من المؤكّد فإنّ هناك الكثير من الأشخاص الّذين أنشأوا المشاريع والبرامج الإقتصاديّة ، وهناك آخرون إنبروا للدّفاع عن الحقوق الإنسانيّة والعمل على نجاتها ، واُريقت – على طول تاريخ – دماء الملايين من النّاس لإزالة آثار الظلم والإضطهاد عن الأرض ، والصراع من أجل توفير حياة أفضل لهم ، ولكن واقع الحال ظلّ على ما هو عليه ، فلم تتحسّن الظروف العامّة للنّاس في العالم ، ولم تسمع إغاثة الملهوف ويعان المستضعف ، وحسب القرائن الموجودة فليس هناك أيّ علائم للنّجاة ، وسوف يظلّ الواقع هكذا ، حتّى يأتي اليوم الّذي يصلح فيه حال الإنسانيّة لا محال .

  ولكن من وجهة نظر العارفين والمطّلعين – ومن معهم سرّ العالم وكيفيّة ابتداء خلق الإنسان ومراحلها ، والّذين على علم حتّى بالذّرّات الوجوديّة لكلّ إنسان ، أعني أهل بيت النبوّة عليهم السلام – فإنّ البشريّة سترى السعادة الحقيقيّة والنّجاة عندما تحكم من قبل قيادة صحيحة قادرة على معرفة جميع أسرار وجود الإنسان وخلقته والحاجات والإحتياجات الضروريّة والواقعيّة له .

  وليس ترفاً فكريّاً أن نقول : إنّ العالم سيبقى يراوح في مكانه ويعيش حياة غير مستقرّة ، مادام هناك حكّام عاجزون ليس عن معرفة الآخرين فحسب ، وإنّما عاجزون حتّى عن معرفة أنفسهم ، وستبقى الثقافة الظّالمة وغير العادلة هي السائدة والحاكمة .

  ولكن كما أشارنا سابقاً فإنّ هذه الحالة زائلة ، فطبق المبادئ الأوّليّة لعقيدتنا ، فإنّ هناك حكومة عادلة وصالحة ستحكم العالم بأكمله ، ولديها كلّ عوامل القدرة والإقتدار ، ولها قدرات خارقة للطّبيعة لتنفيذ برامجها وقوانينها ، وتجعلها غير مضطرّة إلى سلوك طرق غير مشروعة ومحرّمة من قبيل الظّلم والجور وسفك دماء الأبرياء ، وبالتّالي إكمال النّقص الحاصل في منظومتها .

  إنّ النّظريّة الواردة عن الأئمّة الأطهار عليهم السلام ، فهي ترى أنّ نجاة الإنسانيّة وإنقاذها ممّا هي عليها لايتمّ إلاّ في حالة واحدة وهي : إنّ أولياء اللَّه – الّذين لهم قدرة الولاية وقدرات تفوّق قدرات البشر – يجب عليهم إمساك زمام الاُمور ليهدوا النّاس بما لديهم من علوم ومعارف حقيقيّة وصحيحة ، فتكون المحصّلة النّهائيّة إشباع حاجات الإنسانيّة وتلبية مطالبها المشروعة ، وإلاّ سيظلّ الفساد ويدوم ، تاركاً العالم يموج ويغوص في بحر من المصائب والويلات .

  قال الإمام الصّادق عليه السلام في إحدى الزّيارات الواردة عنه في يوم عاشوراء ، يعلم بها أحد أصحابه وهو عبداللَّه ابن سنان ، فيقول عليه السلام : قل :

 أَللَّهُمَّ إِنَّ سُنَّتَكَ ضائِعَةٌ ، وَأَحْكامَكَ مُعَطَّلَةٌ ، وَعِتْرَةَ نَبِيِّكَ فِي الْأَرْضِ هائِمَةٌ . أَللَّهُمَّ فَأَعِنِ الْحَقَّ وَأَهْلَهُ ، وَاقْمَعِ الْباطِلَ وَأَهْلَهُ ، وَمُنَّ عَلَيْنا بِالنَّجاةِ ، وَاهْدِنا إِلَى الْإيمانِ ، وَعَجِّلْ فَرَجَنا ، وَانْظِمْهُ بِفَرَجِ أَوْلِيائِكَ ، وَاجْعَلْهُمْ لَنا وُدّاً ، وَاجْعَلْنا لَهُمْ وَفْداً .(الصحیفة المبارکة المهدیة : 166)

  فعلى هذا الأساس ، فإنّ خلاصنا ونجاتنا يتحقّق في ظلّ الفرج والظّهور لأولياء اللَّه ، وتحقّق حكومة العدل لأهل الوحي والرسالة عليهم السلام، ففي ذلك الطريق نجاتنا وتنظيم اُمورنا ونجاح أعمالنا ؛ لأنّه لايمكن في حال من الأحوال أن يعيش المجتمع الإنساني في رغد ورخاء وتتفتّح آفاق الحياة أمامه ، مادام قادته ومنقذوه – الّذين هم إكسير الحياة – يعيشون في الغيبة والألم .

  إذن ؛ يجب – كما جاء في الزيارة – التضرّع والطلب من البارئ عزّ وجلّ أن يجعل نجاتنا وخلاصنا بظهور أوليائه ، وأن ينظم أمورنا ويجعلنا من أنصار أوليائه الّذين بيدهم إنقاذ الإنسانيّة من مختلف الويلات والمصائب ، والّذين سيأخذون على عاتقهم ترتيب وتنظيم الأوضاع المضطربة التي نعيشها اليوم .

  وعلى ضوء ما ذكرناه ، يجب الإذعان أنّ الكون ومع أنّه يجري ويسير وفق الأسباب الطبيعيّة ، ولكن ليس معناه ترك جميع الأمور بيد الأسباب وعدم رؤية الآثار الّتي هي ماوراء الطبيعة ؛ بل إنّ العوامل الغيبيّة لها دور فعّال ومهمّ في وقوع الأفعال والأعمال ، ولها إحاطة كاملة بالأسباب الظاهريّة .

  ومع أنّ ظاهر العالم مقرون ومرتبط بالعوامل الطبيعيّة ومجهوليّة وجود دور لعالم الغيب لدى عموم النّاس ، وعدم توجّههم لذلك ، لكن هذا الأمر لايدوم كثيراً ؛ حيث أنّ عصر الظّهور سيكون عصر تجلّى العوامل الحقيقية لعالم الخلق ، ونتيجة ذلك فإنّ الإنسانيّة ستتّجه صوب العوامل الغيبيّة ، وتضع جانباً تعلّقاتها وارتباطاتها بالأسباب والعوامل الطبيعيّة ، وستطّلع بشكل جليّ على دور وتأثير عالم الغيب في عالم الوجود .

  إنّ إتّجاه البشريّة صوب عالم الغيب في ذلك العصر العظيم لايبعث على تقدّمهم العجيب والسريع في معرفة الأمور والقضايا المعنويّة فحسب ؛ وإنّما سيخطون خطوات ويقفزون قفزات نوعيّة في الجوانب الطبيعيّة ، بحيث تكون الحضارة الفعلية قبالها أمراً تافهاً لايستحقّ الذكر .

  ونظراً لهذا التطوّر الّذي يحصل لهم في الأمور الطبيعيّة ومعرفتهم وعلمهم بالحقائق الكونيّة ، فإنّهم لايعتقدون أنّ العالم هو عالم الأسباب ، والدّنيا هي دنيا الوسائل الماديّة ؛ بل أنّهم ينظرون إلى العالم نظرة اُخرى نتيجة معرفتهم الواسعة بالمقام السّامي والشامخ والنوراني للإمام بقيّة اللَّه الأعظم أرواحنا لمقدمه الفداء ، ويعتقدون أيضاً أنّ الإمام عجّل اللَّه تعالى فرجه هو أمير وحاكم هذا العالم ، وأنّ ولايته مبسوطة في جميع الأمور الطبيعيّة وغير الطبيعيّة ، وهذا يحصل بفضل وعناية وألطاف البارئ عزّ وجلّ.

 

المصدر : موقع «انجمن زینت هفت آسمان»

نقلا عن کتاب «دولة الإمام المهدی عجّل الله تعالی فرجه : 10»

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: