من عرف نفسه فقد عرف ربه *** أفضل العبادة إنتظار الفرج

(…قال إن له غيبة تكثر أيامها ويطول أمدها فينتظر خروجه المخلصون وينكره المرتابون ويستهزئ به الجاحدون ويكذب فيها الوقاتون ويهلك فيها المستعجلون وينجو فيها المسلمون).

نعمة البداء

معنى البداء في اللغة هو الظهور والابانة بعد الخفاء ، أي ان الله تعالى يظهر ما اخفاه ، وهو موضوع فلسفي ورد ذكره في الكثير من الآيات القرآنية المباركة وفي الاحاديث النبوية الشريفة ، وفي20938850_364046364013999_893432616_n روايات الأئمة (ع) ، و ورد ايضا في الكثير من كتب علماءنا ومفسرينا (1) ، وذكروا آرائهم لرد الشبهات التي اسرف البعض وغالى في التشنيع بها على الشيعة ، وربما جاءت هذه المغالاة عن غير دراية ، او من غير ان يتفهموا المعنى المراد من البداء ، او عن سوء فهم لعدم الاطلاع على اراء علماء الشيعة في هذا المجال ، فكل ما ورد عن علمائنا لا يتنافى مع أصول الإسلام ، ولا ينافي عظمة الله وجلاله ، ولا يلزمه شيء من المحاذير .

قال تعالى في سورة الزمر : ( وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) (2) ، فالأصل في البداء هو الظهور والابانة ، وهنا ظهر لهم من أفعال الله ما لم يكن في حسابهم وتقديرهم ، وقال تعالى في السورة ذاتها : ( وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم ..) أي ظهر لهم جزاء كسبهم وبان لهم) (3) .

والمراد من البداء هو تعليق أمر على آخر ، أي ملازمة حصول المشروط بحصول الشرط ، ولا يحصل المشروط الا بحصول الشرط ، أي ان الله سبحانه يغير مصير الانسان ، اذا غير الانسان نهجه ومسيره في الحياة ، فتغيير مصيره أمر مشروط ، لا يحصل الا بحصول الشرط وهو تغيير سلوكه ونهجه .
قال الله تعالى : ﴿ … إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ … ﴾ (4) .

ان القول بالبداء والاعتقاد به ، هو الاعتراف الصريح ، بأن العالَم وما فيه تحت سلطان الله ، والاقدار تجري بقدرته سبحانه في حدوثها وتغيراتها وبقائها ، وإن إرادة الله نافذة في الأشياء أبداً (يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) .

عن أبا عبد الله الصادق (ع) قال : (ما بعث الله نبيا حتى يأخذ عليه ثلاث خصال ، الإقرار له بالعبودية ، وخلع الأنداد ، وان الله يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء) (5) .

وحول ذلك ذكر بعض المراجع مثالا يوضح ما اوردناه آنفا ، وهو ان شخصا قدر الله له عمرا 30 سنة في لوح المحو والاثبات ، وله عمر آخر مشروط ، فاذا وصل رحمه سيجعل الله عمره 40 سنة ، ومعنى ذلك ان الله جعل صلة الرحم شرطا ، يظهر أثره بذلك العمر المشروط الذي هو 40 سنة .

و قال الإمام الباقر ( عليه السَّلام ) : ( صلة الرحم تُزكّي الأعمال ، و تُنمّي الأموال ، و تدفع البلوى ، و تيسّر الحساب ، و تُنْسيءُ في الأجل ) (6) .

عن أبي جعفر الباقر (ع) انه قال : (العلم علمان ، فعلم عند الله مخزون لم يطلع عليه احدا من خلقه ، وعلم علمه ملائكته ورسله ، فما علمه ملائكته ورسله ، فانه سيكون ، وعلم عنده مخزون يقدم منه ما يشاء ويؤخر ما يشاء ، ويثبت ما يشاء) (7) .

* البداء في الدعاء
ان حصول النجاة ودفع البلاء ورد القضاء ، أمور مشروطة بحصول الشرط وهو الدعاء .

قال تعالى في محكم كتابه : ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (8) . فالنجاة أمر مشروط لا يحصل الا بحصول الشرط وهو الدعاء ثم الاستجابة فالنجاة .

قال رسول الله (ص) : ( ألا أدلكم على سلاح ينجيكم من أعدائكم ، ويدر أرزاقكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : تدعون ربكم بالليل والنهار، فإن سلاح المؤمن الدعاء) .

عن الإمام علي (ع) : (ادفعوا أمواج البلاء عنكم بالدعاء ، قبل ورود البلاء ، فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، للبلاء أسرع إلى المؤمن من انحدار السيل من أعلى التلعة إلى أسفلها ، ومن ركض البراذين) .

وعن الإمام الكاظم (ع) : (عليكم بالدعاء ، فإن الدعاء لله ، والطلب إلى الله يرد البلاء وقد قدر وقضي ولم يبق إلا إمضاؤه ، فإذا دعي الله عز وجل وسئل صرف البلاء صرفة) .

قال الامام الباقر (ع) : ( الدعاء يرد القضاء ، وقد ابرم إبراما – وضم أصابعه ) .

وقال الإمام الصادق (ع) : (إن الدعاء يردّ القضاء ، و إن المؤمن ليذنب فيُحرم بذنبه الرزق ) (9) .

* الأثر التربوي في البداء
للإعتقاد بـ (البداء) أثر تربوي في حياة الانسان ، فهو يوجب انقطاع العبد إلى الله تعالى ، وطلبه إجابة دعائه منه ، و كفاية مهماته ، و توفيقه للطاعة ، و ابعاده عن المعصية …
فاذا اعتقد الانسان العاصي والمذنب ان العصيان والشقاء قدره المقدَّر عليه من جانب الله ، وأنه لا يمكنه تغيير ذلك القدر من السيء إلى الحسن ، سوف يصيبه الإحباط واليأس والفشل ، ويتَمادى في غيِّه وعصيانه وفي تمرُّده وطغيانه ، ولن يحاول تحسين أعماله وسلوكه ، فعدم الاعتقاد بالبداء وانكاره ، والظن بأنّ ما جرى به قلم التقدير كائن لا محالة ، ولا حاجة إلى الدعاء والتوسل الى الله ، وإن كان قد جرى القلم بخلافه لم يقع أبداً ، فهذا يولد يأس المعتقد بهذه العقيدة عن إجابة الله لدعائه ، وإذا يئس العبد من إجابة دعائه ترك التضرع لخالقه ، ظنا منه ان لا فائدة في ذلك .

أما الانسان الذي يعتقد البداء ويؤمن به ، يبتعد عنه شبح اليأس والاحباط ، وتتولد عنده ارادة التغيير ، وهذا عنصر أساسي في الإيمان بالبداء ، فتلك الارادة تكون له دافعا نحو الاستقامة والصلاح ، بأنه لو غيَّر سلوكه غيَّر الله له مصيره ، وأنه عز وجل قادر على ذلك ، فسيحاول تغيير حالته و سلوكه ليحصل على مصير جيد (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم)
لذلك ورد في روايات كثيرة عن أهل البيت (ع) من الاهتمام بشأن البداء ، وان الايمان والاعتقاد به هو عبادة لله تعالى ، لأننا نؤمن بان الله قادر على تغيير كل شيء ولا يقف امام قدرته شيء .
عن أبى عبد الله (ع) ، قال : (ما عُبدَ الله بشيء مثل البداء) (11) .
الحمد لله رب العالمين ، نسأل الله التوفيق ونسألكم الدعاء
الممهدون في الارض

  عاتكة العاملي


1- السيد الخوئي كتب فصلا في البداء في كتاب البيان ، وهناك كتبا خاصة في البداء للشيخ الاميني (قد)
2- سورة الزمر الآية : 47
3- ذكرها الشيخ المفيد في رسالته التي شرح فيها رسالة الصدوق في الاعتقادات
4- سورة الرعد الآية :11
5- الكليني في باب لبداء ، رواية محمد بن مسلم
6- الكافي : 2/470 ، للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكُليني ، المُلَقَّب بثقة الإسلام
7- رواه الفضل بن اليسار في كتاب الكليني باب البداء
8- الأنبياء الآية : 88
9- بحار الأنوار : 90 / كتاب الذكر والدعاء ، الباب : 16
10- رواه الكليني في باب البداء ، جاء في رواية زرارة
11- رواه الكليني في باب البداء ، جاء في رواية زرارة

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: