من عرف نفسه فقد عرف ربه *** أفضل العبادة إنتظار الفرج

(…قال إن له غيبة تكثر أيامها ويطول أمدها فينتظر خروجه المخلصون وينكره المرتابون ويستهزئ به الجاحدون ويكذب فيها الوقاتون ويهلك فيها المستعجلون وينجو فيها المسلمون).

فلسفة الخلق

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله الذي علا في توحّده، ودنا في تفرّده، وجلّ في سلطانه، وعظم في أركانه، وأحاط بكلّ شيء علماً وهو في مكانه، وقهر جميع الخلق بقدرته وبرهانه ثمّ الصلاة والسلام على عبده و رسوله محمد صلّى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.
فلسفة الخلق:
لم تتوسّم الملائكة في هذا المخلوق الجديد (الإنسان) خيراَ، ولم تتوقّع أن ترجح كفّته على الحيوانات أو النباتات بل وحتى على الجمادات فضلاَ عن أن يكون أشرف المخلوقات ؛ وما ذاك إلا ليقينهم بأنّ المخلوق الأفضل هو من تكون له القابلية على أن يتقرب إلى الله أعلى مستوى من غيره.
و أنّى أن يتأتّى ذلك من مخلوق طيني يحمل بين جنبيه نفساً أمّارة بالسوء؟
وهل يتوقع من أمثاله إلا الإفساد في الأرض ؟!
ولعلّه قد وقع بين الملائكة أنفسهم التخاصم و النقاش في ذلك كما أشارت له الآيات الكريمة في سورة ص : (قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ.أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ.مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ.إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ.إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ.فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (إلى قوله) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ.إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ.وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ)(ص/ 67- 88).
وممّا يؤيّد هذا المعنى ما جاء في الروايات الشريفة :
ففي المصباح لشيخ الطائفة (قدس سره) قال أمير المؤمنين (عليه السلام)، في خطبته يوم الغدير (هذا يوم عظيم الشأن إلى قوله: هذا يوم الملأ الأعلى الذي أنتم عنه معرضون)( مصباح المتهجد/ 2 /725) .
وفي كتاب الخصال عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه لما سئل في المعراج: فيما اختصم الملأ الأعلى؟
قال: ( في الدرجات والكفارات، فنوديت: وما الدرجات؟ فقلت: إسباغ الوضوء في السبرات، والمشى إلى الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وولايتي وولاية أهل بيتي حتى الممات….)(الخصال/85 / ح 12).
في روضة الكافي بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام): وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ قال: عند خروج القائم) ( روضه الكافي/ ج 1/ 336).
وفي كتاب المناقب لابن شهر آشوب أن الحسن بن علي (عليهما السلام) خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وتشهّد ثم قال:
(أيها الناس إن الله اختارنا لنفسه و ارتضانا لدينه واصطفانا على خلقه وأنزل علينا كتابه ووحيه، وأيّم الله لا ينقصنا أحد من حقنا شيئاً الا انتقصه الله من حقّه في عاجل دنياه وآجل آخرته، ولا يكون علينا دولة إلا كانت لنا العاقبة (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ)) ( مناقب آل أبي طالب / ج 3/ ص 187) .
ومن هذا المنطلق تساءلت الملائكة: ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) – علماً بأنّ أهم حادثتين أثرتا سلباً على رؤيتهم – على ما أشار إلى ذلك بعض العرفاء- هما : السقيفة (يفسد فيها) و واقعة الطف (ويسفك الدماء)- فلم يأتِ الردّ صريحاً بأنّ هذا الإنسان من شأنه أن يسمو إلى مراتب رفيعة ، بل و علاوة على ذلك سيتخطى مقام الملائكة ليكون بذلك أفضل المخلوقات ، وإنّما جاء الجواب: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(البقرة/30). و ها هنا بدأت مرحلة جديدة ألا وهي إنتظار الفرج:
المرحلة الأولى : (إنتظار الأمر) :
و تعدّ هذه المرحلة المقطع الأول من الانتظار متمثلاً في الترقّب للرفعة أعني (الرشد ، الارتفاع ، الرقي ، الهداية ، العلوّ) ، أو بالأحرى التقرب إلى الله تعالى والذي لا يتحقق إلا بالعبودية (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)(الذاريات/56).
فأصبح الملائكة يراقبون الإنسان مراقبة دقيقة حيث جعلوه تحت المجهر، متسائلين عمّا إذا كان له أن يحظى بمثل هذا المقام الرفيع ؟ .
ومن الواضح أنّه إذا ما حدث وارتقى الإنسان فسيعتلي على إثر ذلك العالم بأسره، وهذا هو النبأ العظيم الذي مرّ ذكره وجاء أيضاً في سورة النبأ (عَمَّ يَتَساءَلُونَ . عن النبأ العظيم)( النبأ/ 1،2).

وهذا ما يحتاج شيئاً من التوضيح فنقول:
المصطلح القرآني الدقيق الجامع هو (الأمر)، و يراد منه: الشأن وهو عبارة أخرى عن القرب و الرشد و الرفعة.
وعليه فالمرحلة الأولى هي انتظار الأمر، و التي تختصّ بالملائكة بما فيهم المقربين أعني جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و عزرائيل ، فهم مرافقون لمسيرة البشرية من آدم عليه السلام حتى قيام الساعة ، ولأنّهم (.. عِبَادٌ مُكْرَمُونَ . لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)(الأنبياء27،26) أصبحوا خدّاماً متواضعين و مراقبين متسائلين.
المرحلة الثانية : (الهداية بالأمر):
وهي مرحلة الانتظار المقرون بالإنباء و الهداية إلى الأمر و التبشير به. وهي من مختصّات الأنبياء الأوصياء عليهم السلام؛ إذ كان جلّ سعيهم منصبًّا على إرشاد الناس وتوجيه الأنظار لما سيحدث من إنجاز هائل في المستقبل ، حيث ستتحقق الآمال بمبعث النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلّم.
و ينبغي لنا نحن ملاحظة قصصهم المذكورة في القرآن الكريم بهذا المنظار؛ إذ أنّ فيهم من خطّط من خلال سفينته العظيمة وهو نوح على نبينا وآله وعليه السلام ، و منهم من أقدم ميدانياً على تهيئة المقدمات لذلك الأمر المترقّب وهو إبراهيم عليه السلام ،حيث رفع القواعد من البيت و أسكن ذريته بوادٍ غير ذي زرع فكانت الهجرة إلى مكّة، ومنهم من حقّق إنجازات على الصعيد العملي وهو موسى على نبينا وآله وعليه السلام ، و تبعه داوود و سليمان على نبينا وآله وعليهما السلام .
غير أنّ روح الله عيسى بن مريم على نبينا وآله وعليه السلام ، الأكثر جهداً و سعياً في سبيل ذلك؛ حيث صرّح في مقالته بهذا الأمر (..وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ …)(الصف/6). فكان يركّز على الجانب السماوي للنبي الخاتم فذكر اسمه في السماء (أحمد).
المرحلة الثالثة : (مجيء الأمر):
هي مرحلة تحقُّق الإنجاز العظيم من خلال انبلاج نور العبد المؤمّل و مبعث الرسول المنتظر و مهديّ الأمّة محمد صلى الله عليه و آله وسلّم ، (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) ففي هذه المرحلة شُرّع باب الأمر (الرشد و القرب) على مصراعيه ويأس الكافرون من الدين حيث اكتمل (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) ( المائدة /3) ولكن الأمّة لمّا تتمّكن بعد من الورود إلى ساحته و الإناخة في فنائه، بل لابدّ من رفع مستوى الأمّة وعياً و بصيرة كيما تتحقق الغاية المرجوّة من مبعث الرسول الخاتم للبشرية بل لكافة الموجودات.
و لذلك قال سبحانه: (فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)(النحل/1). و عدم الاستعجال يعني الإنتظار، وعليه لا يزال انتظار الفرج يحتلّ الصدارة والريادة أيضاً ، ولكن لا بالمعنى الأوّل و الثاني بل بمعنى انتظار المصداق العملي للإنجاز العظيم الذي حقّقه الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلّم.
ومن هنا ننتقل إلى المرحلة الرابعة :
المرحلة الرابعة : (ولاية الأمر)
والمراد بوليّ الأمر: من يترأّس الأمر و يقود قافلة البشرية نحو الرفعة و الرشد والمهدوية، و بعبارة أخرى هو الهادي للخلق أجمع نحو الكمال و الرفعة، وقد أشار سبحانه إلى ذلك في قوله: (… إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)(الرعد/7). وقد فسّر الإمام الهادي عليه السلام الهدايةَ في الزيارة الجامعة الكبيرة حيث قال:
(اَلسَّلامُ عَلَى الأئِمَّةِ الدُّعاةِ، وَالْقادَةِ الْهُداةِ، وَالسّادَةِ الْوُلاةِ، وَالذّادَةِ الْحُماةِ، وَاَهْلِ الذِّكْرِ وَاُولِى الأمْرِ، وَبَقِيَّةِ اللهِ وَخِيَرَتِهِ وَحِزْبِهِ وَعَيْبَةِ عِلْمِهِ وَحُجَّتِهِ وَصِراطِهِ وَنُورِهِ وَبُرْهانِهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ).
فهؤلاء مسؤوليتهم خطيرة للغاية ً، لكونهم يتحمّلون الأمانة الكبرى، فهم ورثة جميع الأنبياء ممّا يقتضي علوّ منزلتهم وقدرهم على منازل الأولياء الماضين، وهؤلاء هم العالون الذين خلقوا قبل أن يخلق آدم كما في قوله تعالى: (قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَاسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْعَالِينَ)(ص/75).
(ففي حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ص إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ لِإِبْلِيسَ‏ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ‏ مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَى مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص : أَنَا وَ عَلِيٌّ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ، كُنَّا فِي سُرَادِقِ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ اللَّهَ فَسَبَّحَتِ الْمَلَائِكَةُ بِتَسْبِيحِنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ ، فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ آدَمَ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يَسْجُدُوا لَهُ وَ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالسُّجُودِ إِلَّا لِأَجْلِنَا فَسَجَدَتِ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَسْجُدَ، فَقَالَ لَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى:‏ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ؟
‏ أَيْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ الْمَكْتُوبَةِ أَسْمَاؤُهُمْ فِي سُرَادِقِ الْعَرْشِ، فَنَحْنُ بَابُ اللَّهِ الَّذِي يُؤْتَى مِنْهُ بِنَا يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ…‏) تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة، ص: 498.
والجدير بالذكر أنّ هذه المرحلة قد افتتحت في الغدير يوم أعلن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم عن الهادي بعده، و الأحاديث في هذا المجال كثيرة حيث تبيّن أنّ المنذر في الآية هو رسول الله و الهادي أمير المؤمنين عليه السلام، فعن أبي بصير قال‏: قلت لأبي عبد الله عليه السلام (‏ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِ‏ قَوْمٍ‏ هادٍ) ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله المنذر و علي الهادي…) (الكافي / ج1 /ص 191).
والجدير بالتأمل ما ورد في دعاء الندبة : (فَلَمَّا انْقَضَتْ أَيَّامُهُ أَقَامَ وَلِيَّهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِمَا وَ آلِهِمَا هَادِياً، إِذْ كَانَ هُوَ الْمُنْذِرَ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ، فَقَالَ وَ الْمَلَأُ أَمامَهُ‏: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَه‏). (المزار الكبير (لابن المشهدي) ص576).
ففي الغدير تمّت البيعة طوعاً و كرهاً ولكنّها لم تكن واحدة من الجميع بل كانت ذات مستويات متفاوتة ، فثمة من بايعه بصفته خليلا وأخاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وهو أدنى المستويات ، و هناك من كانت بيعتهم لعلي عليه السلام بوصفه خليفة الرسول صلى الله عليه وآله لادارة الأمة من الناحية الاجتماعية و السياسية و الدينية، و منهم من بايعه باعتباره إمام المؤمنين، في حين أنّ رسول الله
صلى الله عليه وآله إنّما أراد منهم أن يبايعوا علياً عليه السلام بعنوان وليٍّ الأمر وأمير المؤمنين وأنّه إمام الإنس والجان يقود الخلق أجمعه نحو الكمال ويقرّبه إلى المطلق جلّ و علا.
والبيعة تعني الإلتزام العملي بولاية علي عليه السلام وتجسيد قوله تعالى: ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم )، ولكن أي أمر هذا ؟
لا ريب أنّه الأمر الذي جاء في أول النحل (أتى أمر الله )( النحل/ 1)، فهو وليّ أمر الله، والغدير هو مشروع ولاية أمر الله، فنقول : ياعلي أنت المتولي لأمر الله وأنت من ستسلم الأمر إلى صاحب الأمر حين يظهر؛ و هذا هو الدافع لأن نكون تحت ولايته ، وما البيعة إلا من أجل ذلك .
فالنتيجة هي : أنّه في غدير خم تمّ الإنجاز العظيم إذ بعد إكتمال الدين قد تمت النعمة، والانتظار هنا قد اكتسب طابعاً جديداً وهو : (إتمام الدين أيضاً) (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(الصف/8،9).
وهو الإنجاز الأعظم المترقب ؛ حيث يغدو الدين في كنف المعصوم الآمن وتحت إشرافه مباشرة -لا تطاله أيدي العبث و الخيانة والظلم- . كما في قوله تعالى:
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ)(النور/55).
فإن شئت أن تطمئن قلباً بما قلناه فدونك الخطبة الغديرية ، تأمّل فيها، حينها سترى كيف أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ربط يوم الغدير بيوم القائم، وإليك بعض العبارات النورانية الغديرية:
( فأمرت أن آخذ البيعة منكم والصفقة لكم بقبول ما جئت به عن الله عز وجل في علي أمير المومنين والائمة من بعده، الذين هم مني ومنه، أئمة قائمة منهم المهدي إلى يوم القيامة الذي بالحق)( الاحتجاج /1/ 61)، ولكن تبقي المرحلة الخامسة ألا وهي (انتظار ظهور أمر الله) :
المرحلة الخامسة: انتظار ظهور أمر الله
وهو الانتظار الحقيقي بما تحمله الكلمة من معنى؛ حيث يراد به انتظار زوال الظالمين المستكبرين وتحقق الأرضية لعبادة ربّ العالمين مخلصين له الدين، وهو المطلوب حقّاً حيث يقول تعالى : (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)(البينة/5)، فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام): إنما هو ذلك دين القائم عليه السلام) البرهان: ج 4 ص 489
فالانتظار في هذه المرحلة – و التي تخصنّا نحن ممن نعيش في زمن الغيبة – يعني انتظار ظهور ولي الأمر وصاحبه الحجّة بن الحسن القائم المهدي أرواحنا فداه، ومن ثمّ تسليم كافّة الخلائق له طوعاً و كرهاً (… حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ)(التوبة/48).
وفي الحديث عن الامام الصادق عليه السلام): (هو أمرنا ، أمر الله عز وجل ألا نستعجل به حتى يؤيّده ( الله ) بثلاثة ( أجناد ) : الملائكة ، والمؤمنين ، و الرعب ، وخروجه كخروج رسول الله صلي الله عليه وآله ، وذلك قوله عز وجل : (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ …)(الأنفال/5)).
كلمة أخيرة:
هل تعلم أيها القارئ العزيز أنأ الآيات القرآنية تجري في الزمان والمكان؟
و هناك أدلّة روائية دالة على ذلك نذكر بعضها:
فعن أبي عبد الله (ع) قال: ( إنَّ القرآن حيٌّ لم يمت، وانَّه يجري كما يجري الليل والنهار وكما تجري الشمس والقمر، ويجري على آخرنا كما يجري على أولنا) الكافي – ج 1 ص192.
وأيضا ما رواه العياشي بإسناده عن أبي جعفر (ع) في تفسير قوله تعالى: (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) قال (ع): (عليٌّ الهادي، ومنَّا الهادي)، فقلت: فأنتَ جعلتُ فداك الهادي؟ قال (ع): ( صدقت إنَّ القرآن حيٌّ لا يموت، والآية حيَّةٌ لا تموت، فلو كانت الآية إذا نزلت في الأقوام وماتوا ماتت الآية لمات القرآن، ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضيين) تفسير العياشي- محمد بن مسعود العياشي- ج2 ص203.
فهي كموجات الصوت إذ يتردد صداه من الأزل إلى الأبد ، وبناء على هذا نعرف السرّ في اختلاف الأحاديث في تبيين الآية الواحدة، ولا منافاة بينها مهما كثرت؛ باعتبار أنّها انعكاسات متعددة في مرائي الزمان، فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام فِي قَوْلِهِ: (قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ): ( إنَّمَا يَعْنِي بِهِ قِيَامَ الْقَائِمِ عجل الله فرجه)، حيث تتحقق إقامة الصلاة في دولة الحق (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ …)(الحج/41).
وأمّا بالنسبة إلى قوله تعالى: (…الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي …)(المائدة/3) فقد جاء في تفسير على بن ابراهيم قوله: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم) : (ذلك لما نزلت ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)) ( تفسير القمي /1 /162) و المراد يوم الغدير، هذا وقد ورد في تفسير العياشي بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) في هذه الآية (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم): يوم يقوم القائم (عليه السلام) يئس بنو امية، فهم الذين كفروا يئسوا من آل محمد عليهم السلام)( تفسير العياشي /ج 1/292) . فانتبه و تأمّل .
والحمد لله الذي جعلنا من المتمسكين بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
أنهيت كتابة هذا الموضوع في يوم الأربعاء 17 ذي الحجة 1439 في مملكة البحرين – الساعة الخامسة و النصف صباحاً وأنا العبد العاشق لأهل البيت عليهم السلام خادمهم الذليل بين أيديهم(و كفى بي فخراً)
إبراهيم الأنصاري البحراني.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: